محمد بن جرير الطبري

315

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ) ، معنى الشراء الذي يتعارفه الناس ، من استبدال شيء مكان شيء ، وأخذِ عِوَض على عوض . وأما الذين قالوا : إنّ القوم كانوا مؤمنين وكفروا ، فإنه لا مؤونة عليهم ، لو كان الأمر على ما وصفوا به القوم . لأن الأمر إذا كان كذلك ، فقد تركوا الإيمان ، واستبدلوا به الكفرَ عوضًا من الهدى . وذلك هو المعنى المفهوم من معاني الشراء والبيع ، ولكن دلائل أوّل الآيات في نعوتهم إلى آخرها ، دالّةٌ على أن القوم لم يكونوا قط استضاءوا بنور الإيمان ، ولا دخلوا في ملّة الإسلام ، أوَما تسمعُ الله جل ثناؤه من لَدُنِ ابتدأ في نعتهم ، إلى أن أتى على صفتهم ، إنما وصفهم بإظهار الكذب بألسنتهم : بدعواهم التصديق بنبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به ، خداعًا لله ولرسوله وللمؤمنين عند أنفسهم ، واستهزاءً في نفوسهم بالمؤمنين ، وهم لغير ما كانوا يظهرون مستبطنون . يقول الله جل جلاله ( 1 ) : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ) ، ثم اقتصَّ قَصَصَهم إلى قوله : ( أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ) ؟ فأين الدلالة على أنهم كانوا مؤمنين فكفروا ؟ فإن كان قائل هذه المقالة ظن أنّ قوله : " أولئك الذين اشْتَرَوُا الضَّلالة بالهُدى " هو الدليل على أنّ القوم قد كانوا على الإيمان فانتقلوا عنه إلى الكفر ، فلذلك قيل لهم " اشتروا " - فإن ذلك تأويل غير مسلَّم له ، إذْ كان الاشتراء عند مخالفيه قد يكون أخذَ شيء بتركِ آخرَ غيره ، وقد يكون بمعنى الاختيار ، وبغير ذلك من المعاني . والكلمة إذا احتملت وجوهًا ، لم يكن لأحد صرفُ معناها إلى بعضٍ وجوهها دون بعضٍ ، إلا بحجة يجب التسليم لها . قال أبو جعفر : والذي هو أولى عندي بتأويل الآية ، ما روينا عن ابن عباس وابن مسعود من تأويلهما قوله : ( اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ) : أخذوا الضلالة وتركوا الهدى . وذلك أن كل كافر بالله فإنه مستبدلٌ بالإيمان كفرًا ، باكتسابه الكفرَ الذي وُجد منه ، بدلا من الإيمان الذي أمر به . أوَمَا تسمعُ الله جل ثناؤه يقول فيمن اكتسب كفرًا به مكان الإيمان به وبرسوله : ( وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ) [ سورة البقرة : 108 ] ؟ وذلك هو معنى الشراء ، لأن كلّ مشترٍ شيئًا فإنما يستبدل مكانَ الذي يُؤخذ منه من البدل آخرَ بديلا منه . فكذلك المنافقُ والكافر ، استبدلا بالهدى الضلالةَ والنفاق ، فأضلهما الله ، وسلبهما نورَ الهدى ، فترك جميعَهم في ظلمات لا يبصرون . * * * القول في تأويل قوله : { فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ } قال أبو جعفر : وتأويل ذلك أن المنافقين - بشرائهم الضلالةَ بالهدى - خسروا ولم يربحوا ، لأن الرابح من التجّار : المستبدِلُ من سلعته المملوكة عليه

--> ( 1 ) في المطبوعة : " لقول الله . . . " .